الثلاثاء، 15 مايو، 2007

الاضرابات و النقابات "تضخم" الخطاب الحقوقي على حساب الواجب المهني

توصلت مدونة الأستاذ مؤخرا برسالة من أحد الاخوة المعلمين أثارت اهتمامي كثيرا لما ورد فيها من آراء و وجهات نظر جريئة حول رجل التعليم في بلادنا من جهة ، و حول الاضرابات المتتالية التي ما انفك يخوضها و النقابات الداعية اليها من جهة أخرى .
و نظرا لأهمية هذه الآراء و جرأتها و صدورها عن رجل تعليم كما أسلفت ارتأيت أن أنشرها على صفحات المدونة لعل ذلك يفتح باب الحوار الجاد و النقاش البناء بشأن مضمونها ، و دون أن يعني ذلك بداهة أنني أتبنى بالضرورة كل ما ورد فيها .
يقول الأخ المعلم في رسالته :

" عندما لا يشاطرك الناس الرأي، يخيل إليك أنك أمام وحوش، وأنهم قادرون، إذا لاحظوا، أن فلانا لا يفكر تفكيرهم على قتله بكل راحة ضمير.) يوجي اونسكو   الرأي يحتمل الصواب والخطأ على حد قول الإمام الشافعي، لنفتح نقاشا هادئا وشاملا،وليكن حوارا من اجل التواصل بحثا عن حلول مناسبة توازي بين الحق والواجب خدمة لأبنائنا.     الإضرابات والنقابات خلقت "قطيعا" منقادا ضخمت لديه الخطاب الحقوقي على حساب الواجب الأستاذ في المجتمع تحول إلى نكتة- وساعات إضافية  وعلاقات مشبوهة يقول المثل وهو حكمة تختزل تجربة الشعوب عبر الأجيال:"الشيء إذا زاد عن حده انقلب إلى  ضده "وشرط إدراج هذا المثل هو الجدل الواسع الذي تعرفه الساحة التعليمية بعد الإضرابات الأخيرة التي تضاربت المواقف بشأنها بين مناصرين ومعارضين .والجدل في حد ذاته يمكن اعتباره نقطة نجاح هذه الإضرابات ،لأنها طرحت نقاشا واسعا حولها كحق مشروع وكسلاح مرتد قد يصيب مستعمليه بغير ما كانوا ينتظرونه.وقد بدا هذا الجدل حول الإضرابات في الوسط التعليمي بالخصوص خجولا منذ السنوات الأخيرة للقرن العشرين في ظل التحولات التي عرفتها الساحة الوطنية المغربية وظهور تنظيمات جديدة والصراعات الجارية بينها لانتزاع موقع أو للفوز برضا أسرة التعليم خدمة لمصالح انتخابوية أو شخصية لبعض القادة الذين يصعب عليهم التخلي عن مراكزهم التي تمنحهم السلطة والمال ليفسدوا في الأرض كما يشاؤون في غياب سلطة المراقبة المفروض أن تكون لدى قواعدها ،هذه الأخيرة تبقى دائما غائبة أو غير موجودة لكنهم يستغلون أولئك المستجيبون لكل صيحة بدون ضمير..كما عبرت عن ذلك بعض التصريحات: "أنا إلا سمعت كلب كينبح في الزنقة وفهمت منو الإضراب غدا نكلس،أنا ما تيهمني غير نرتاح" "وقتاش يكون شي اضراب نريحو شويا" "اش هاذ النقابات نعسو مايديرو شي إضراب؟  اولا باعو الماتش؟" بالإضافة إلى مثل هذه المواقف المخزية هناك موقف العدميين العابثين المفسدين للتربية والتكوين وهم يبررون مواقفهم برفع شعار:"الفساد يعم جميع طبقات المجتمع،لماذا نكون نحن الاستثناء؟" متجردين من ضميرهم التربوي وناطقين بلاوعيهم الارتزاقي؟وفي نفس الوقت يطالبون إخوانهم بعدم فضح "جريرتهم"الداخلية وان يبقى ما يجري ويدور وسط الأسرة التعليمية داخلها وألا ينشر حبل الغسيل على الملإ ،ناسين أو متناسين أن الشأن التعليمي شان مجتمعي يهم كذلك الآباء والأمهات أعضاء التعليم الذين تحترق قلوبهم وهم يعاينون مستقبل فلذات أكبادهم يضيع أمام أعينهم دون ان تكون لهم القدرة على الاستنكار كي لا يتهموا بالعمالة والوصولية وغيرها من النعوت التي يتقنها عديمو الضمير والمسؤولية.        وهؤلاء الذين يحاولون إخفاء الشمس بالغربال يخال إليهم أن تصرفاتهم بعيدة عن المجتمع ،في حين تفضحهم أحاديث جلساتهم في المقاهي وتجعلهم عرضة للتنكيت،وما نكتة النادل الذي أجاب لما سأله احدهم عن زملائه قائلا:"شي صباغة اللي كانوا كالسين هنا،سمعتهم كيتكلمو على السلالم والدرجات اللي فيهم"         الفئة المعارضة لهذه الإضرابات تلوم الفئة المؤيدة لها وتتهمها بأنها أساءت لمهنة التعليم وسمعتها بسبب مواقفها المائعة واللامسؤولة والمتجردة من الحد الأدنى للأخلاق والمبادئ.وتتهمها بان لا مبدئيتها ميعت وأضرت بحق الإضراب كوسيلة للدفاع عن المطالب.وجعلت من ميدان التعليم الجحش القصير والسهل الذي يركبه كل*ما* هب ودب للوصول إلى أهداف غير تلك المعلن عنها وأصبح امتهان العمل النقابي  وادعاء النضال واستخدام سلاح الإضراب من أسهل ما يكون مادامت نسبة التغيب عن العمل يضمنها العبثيون الذين سعوا عن قصد أو بغيره إلى ضرب مصداقية العمل النقابي و التربوي بمواقفهم العبثية،الأمر الذي جعل سمعة الشغيلة التعليمية تنحط إلى ادني المستويات لدى بعض فئات المجتمع،وانطبق على التعليم المثل القائل:**حوتة وحدة تخنز الشواري**وأصبح تصديق كل ما يروج عن أسرة التعليم من فساد الأخلاق وجشع أفرادها قابلا للتصديق وما يشاع حول استغلال المنصب والسلطة التعليمية في(فرض الساعات الإضافية.. بيع النقط تزوير النتائج ،تشجيع الغش،التمارض، التهاون، العلاقات المشبوهة وخاصة في المستويات العليا..التهرب من الواجب ،موت الضمير ،الانحطاط الفكري والثقافي....)كل ذلك بسبب أخلاق الفئة الانتهازية التي تحاول إشاعة الثقافة السلبية المتمثلة في العدمية والفوضى و اللاجدوى من العمل والعطاء والبذل مقابل الأخذ فقط ونكران الواجب المهني والوطني....       والبعض يجعل المسؤولية مشتركة بين النقابات والمستجيبين لنداءاتها الاضرابوية،ويوجه نقدا للطرفين،إذ يرى أن مسؤولي النقابات حفاظا على مراكزهم عوض أن يعملوا على تاطير للشغيلة التعليمية وتوعيتها والرفع من مستواها الفكري والتحليلي لتفكر بعمق وتحلل الأحداث والقضايا وتشارك بمسؤولية في اتخاذ القرارات..عمدوا إلى خلق قطيع لا قدرة له على التفكير وسهل الاستجابة والانقياد كلما خاطبت غرائزه المادية *الخبزية* إذ اختزلت المطالب في الماديات وتخلت عن المطالب المعنوية والوطنية ك(تعميم التعليم وجودته،والتكوين المستمر.،وتحسين فضاءات العمل،وتوفير التجهيزات، تعزيز الموارد البشرية...)وضخمت لديه الخطاب الحقوقي على حساب الواجب،علما أن الواجب والحق خطان متوازيان متلازمان للديمقراطية لا يمكن بغياب احدهما بناء دولة الحق والقانون.كما تتهم النقابات بخدمة المصالح الشخصية والحزبية الضيقة دون العمل على الرفع من المستوى السياسي والنقابي للشغيلة  هذا الأخير الذي يتطلب الماما بتقنيات التفاوض الاجتماعي .     كما يسم البعض زملائهم بالذاكرة المثقوبة،مما يجعلهم ينسون بسرعة مواقف بعض الزعامات التي أضرت بمصالحهم والانسياق وراءها فقط لأنها عزفت على الوتر الحساس *الأجور*. أو الانسياق مع بعض التيارات الشعبوية المكرسة لثقافة التخلف والفساد ومجاراتها،والاكتفاء بالحد الأدنى من العمل التدريسي المجرد من التربية،سواء في ذلك العاملون بالأقسام أو بالإدارة التربوية معبرين عنه بمصطلح*سليخ المعزي*.وبدعوى أن الشارع وغيره من المؤسسات المؤثرة في التربية اقوي من المدرسة،فغابت الأخلاق وذهب معها الاحترام،وسادت الفوضى وعدم الانضباط...والأمم تعيش بالقيم السامية لا المادية كما عبر شوقي: وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت **فان هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا وانساقت طائفة كبيرة مع التيار الممجد للقيم المادية ولسان حالها يقول: مرتبي اقل من مصروفي ** فلا تسل عن بائع الحروف                                          وسل تر الثراء قد تدلى   ** من سلة الرشوة والمعروف فكم أتى المليون بمليار  ** وكم أتى الدرهم بالألوف أما من  يعمل  بالضمير المهني فهو في عرفهم مغفل و*حمار* ويعيش خارج زمنه متخلفا عن عصره،ويعيش مع *الدك القديم*.متناسيين أن دور المعلم الأساسي هو أن يكون مصلحا قبل كل شيء وهو الدور الذي رفعه إلى مقام الرسل لما قال الشاعر : قم للمعلم وفه التبجيلا  **كاد المعلم أن يكون رسولا     ولذلك نعت المعلمون بقادة الشعوب فان عم الفساد في المجتمع فهو انعكاس لتربيتهم وان صلح فلهم يرجع الفضل،ومكانة المعلم وسمعته يحفظهما له  علمه و عمله لا أمواله أو ممتلكاته ،وأنت تقرا الآن هذا المقال وتتذكر باحترام وتقدير المعلمين(الأساتذة) الجادين الذين تركوا أثرا حسنا في شخصيتك كما تتذكر باحتقار من كان يتهاون في عمله ويحرم التلاميذ من التعليم والتوجيه الجيدين.     قرار اقتطاع أجرة أيام الإضراب أثار ردود فعل متباينة بين مناصر ومعارض.فالمعارض يرى في ذلك هجوما على حق مكتسب،في حين يرد المناصرون بأنه حفاظا على هذا الحق قويا غير مميع ،وحفاظا على المصلحة الوطنية العليا أصبح ضروريا تقنين الإضراب كما هو معمول به في الدول العريقة ديمقراطيا، ويرون أن القرار على الأقل سيعيد المصداقية للنضال والعمل النقابي.و أن المضرب سيصبح عالما بما سيضحي به إن اضرب،ومستعدا لتحمل النتائج في سبيل ما يضرب من اجله،عكس ما كان سابقا ،لا يعرف المضرب ما ينتظره إذ كان مهددا بكل أشكال العقاب حتى التي لا تخطر على البال (الانتقام الإداري التعسفي،الطرد،التشريد، تجميد الوضعية ،الاعتقال التعسفي، الاختطاف ،...بالإضافة إلى سيف ظهير كل ما من شانه أن ..  ).     ورغم كل شيء فان مدارسنا تحتضن شرفاء  شموعا يضيئون الساحة التعليمية  بكل إخلاص وتفان ونكران للذات ،يعملون بصمت وفي خفاء وحياء مترفعين على الصغائر ،قلوبهم يعتصرها الألم وهم يعاينون ظواهر سلبية تغزو الجسم التعليمي ،  ولهم يعود الفضل في عطاء المدرسة المغربية  بينما الفوارغ يلعنون الظلام بل وينشرونه ضاربين بعرض الحائط ميثاق حسن سلوك الموظف العمومي  بل وكانوا من اشد المعارضين لتوقيعه. والمثل يقول:إذا لم تستحي فافعل ما شئت.       عزفت مؤخرا إحدى النقابات خارج الخط التفاوضي الذي كانت طرفا فيه بدعوى أن الاستجابة التي أبدتها الحكومة لتسوية بعض المطالب سياسية تخدم مصلحة الأغلبية في الانتخابات القادمة معيدة بسلوكها هذا ما فعلته سابقتها لما أضرت بمصالح رجال التعليم بدعوى ضرورة أن يشمل القرار كل الموظفين ."

كتبه : محمد الزعماري / معلم /