الأحد، 9 ديسمبر، 2007

علم لا ينفع

لا شك أن صلاح أمة من الأمم يرتبط بصلاح أفرادها و ابتعادهم عن الفساد و الافساد ، و عن كل ما يعوق السير في طريق النهضة بأمتهم و التقدم بها في ركب الأمم المتقدمة التي تمكنت من أسباب التقدم و الازدهار و التمكن في الأرض . مثلما أن انحطاط الأمة و تخلفها و فسادها يرجع الى عدم صلاح أفرادها و انغماسهم في شتى سبل الفساد و الافساد .
فالمعول عليه اذن في صلاح الأمة هو الفرد من أبنائها ، ذكرا كان أو أنثى .
و لاصلاح هذا الفرد يعتقد المصلحون ، و الناس عموما ، أن العلم و الثقافة لهما دور كبير في صلاح الأفراد ، فأكدوا على نشر التعليم و بناء المدارس التعليمية و نشر الكتب و بذل وسائل الثقافة في كل حي .. و غير هذا من وسائل التثقيف و التعليم ظنا منهم أن التطور و التقدم الذي ينشدونه للأمة لن يكون الا بالتوعية و التعليم حتى للكبار و العجزة .
و هذا اعتقاد خاطئ ! اذ لا يكفي نشر العلم و الثقافة و المعرفة للتقدم بالأمة و انتشالها من براثين التخلف و التدهور ، و القضاء على جميع مظاهر الفساد ـ بما في ذلك الفساد الخلقي و فساد الضمير ـ التي تعوق تقدم الأمم .

و ليس الخبر كالعيان ! فها نحن نرى اليوم ما يصدر من أبناء مجتمعنا ـ و كذلك أمتنا ـ من مصائب و ويلات و مخالفات شرعية و قانونية ، و ميوعة أخلاقية سافرة ؛ مع العلم أن من تصدر منهم هذه المفاسد كلهم يدعي الثقافة و العلم و من حاملي الشهادات العلمية الكبيرة ؟!
عندما تجد الموظف الكبير ، صاحب الشهادة العلمية العليا ، يستغل وظيفته في مصالحه الخاصة ، و ينال مبتغاه في الفساد محتميا بمنصبه الكبير . و على شاكلته أعداد هائلة ، منهم من اختلس أموال الأمة ، و منهم من ضيع مصالحها في نزواته ، و منهم من خان أمانة المسؤولية التي وضعها أبناء الشعب في عنقه فتلاعب بهم و خانهم ، و منهم من لا يقيم وزنا لوظيفته فيتهاون فيها بمصالح الناس ، ... و منهم ، و منهم ...الخ ، تعلم يقينا أن شهادتهم العلمية و ثقافتهم ما عادت وسيلة للتقدم و الازدهار للأمة ، بل سببا في افسادها و تضييعها .
هذا فيما يتعلق بمصالح الأمة ؛ اذ هناك مفاسد أخرى تدمر أخلاق الناس و تنشر بينهم الفساد والانحلال و الرذيلة ، كالزنا و شرب الخمر و القمار و غيرها من أنواع الفساد ، و هذا كذلك يقبل عليه جمهور عريض من المثقفين و المثقفات من أصحاب الشهادات العلمية و خريجي المعاهد العلمية .
هذا الفساد الخلقي و المهني ، كما رأينا ، يصدر من فئات عريضة من المثقفين ، بل ان بعضه " لا يتقنه " الا أصحاب الثقافة و العلم ! فسؤالنا الآن : هل رد هؤلاء علمهم و ثقافتهم عن سرقة أموال الأمة و ضياع حقوق أبنائها ؟ و هل ساعد علم هؤلاء في نهضتها و التقدم بها ؟ الجواب حتما : لا .
نجزم أن العلم و الثقافة لا يكفيان في النهضة بالأمة أبدا ، اذا لم يكن معهما الدين في قلب حاملهما ، و الا لن يرفعا من شأن الأمة . فضمير المثقف لن يكون حيا بعلمه ، و انما بخوفه من مراقبة خالقه ، فينبهه قبل الوقوع في الزلل ، و يعرفه بخشية الله تعالى و أنه سوف يسأل بين يدي الله عز و جل عن كل صغيرة و كبيرة من عمله ، فيستحضر قوله تعالى : " ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم يوم يقوم الناس لرب العالمين " . فيخاف ربه و يتقيه و يقبل على عمله باخلاص و تفان خوفا من الرقيب الأعلى سبحانه و تعالى .
ان الاعتماد على العلم و الثقافة و المدرسة وحدهم لصلاح المجتمع و الأمة أمر ثبت فشله ، و هذا المغرب بعد أن نال استقلاله تقلد فيه خريجو المدارس الاستعمارية آنذاك المناصب العليا ، فأرجعوا مسيرته الحضارية الى الوراء بعدما عاثوا فيه فسادا ، و أضروا بمصالح أبنائه .
فالعلم و الثقافة لا يعطيان للفرد الوازع الديني الذي يجعله دائما على خوف من الله تعالى كلما أقبل على عمل من أعماله . و قد كان مولانا رسول الله صلى الله عليه و سلم يتعوذ من علم لا ينفع ، و هذا العلم هو الذي ليس فيه خشية الله تعالى .
اذن ، الذي يجب أن يكون اللبنة الأولى في التعليم و الثقافة هو تعليم أمور الدين و التخلق بأخلاقه حتى يكون الفرد بذلك مراقبا لنفسه بدون أن يراقبه أحد . يقول عليه الصلاة و السلام : " العلم علمان ، علم في القلب فذاك العلم النافع ، و علم على اللسان فذاك حجة الله على ابن آدم " ؛ يعني العلم الذي ينفع هو الذي يلقي الخوف و الخشية من الله تعالى في قلب الانسان ، فهذا العلم هو الذي يرفع الانسان من درجة البهيمية الى درجة المثالية لمراقبته الله تعالى .
و مثالا لصورته ، تجد الرجل لا يقرأ و لا يكتب و هو عنوان الكمال و الجمال الروحي لتدينه و مراقبته ربه تعالى ، و تجد في المقابل العالم و الدكتور و الفنان و هو شيطان في صورة انسان لعدم تدينه الذي دفعه للاقبال على شهوات البطون و الفروج .
و الله الموفق لكل خير .

كتبه : عبدالمنعم بن الصديق
في جريدة (صحافة اليوم) ـ عدد 13 ـ الصادرة بمدينة طنجة المغربية